إيميلي : وأعرف أن هناك شمسا خلف الغيوم الداكنة !

لأن المواهب كالبذور لابد أن تدفن عميقا لكي تنبت

61

لأسباب عائلية، اضطرت الكاتبة لوسي مود لقضاء معظم طفولتها منعزلة في بلدة كافنديش، لكن تلك الوحدة القاسية كانت تخفي في طياتها نعمة كبيرة، إذ ساهمت في تأجج خيالها وتعلقها بالكتابة تماما كما حدث مع شخصيتها المميزة «إيميلي ستار».

عاشت كندا خلال العصر الفيكتوري (منتصف القرن 19) بعض أجمل سنينها في ظل طبيعة ساحرة ومجتمع محافظ ونهضة ثقافية بدأت تنير مختلف جوانب الحياة، مستمدة وهجها من مشاعل أوقدها مؤلفون ومبدعون اختزلوا كل روعة الزمان والمكان في روايات معجزة في بساطتها ومدهشة في بلاغتها، ومثيرة للإعجاب في قدرتها على التسلل إلى شغاف قلوب قرائها حتى اليوم.

بوصفها رائدة «لأدب الفتيات» في تلك الفترة، أجادت الكاتبة لوسي مود مونتغومري التعبير عن مشاعر بنات جيلها وأحلامهن، منذ أن خطت روايتها الأولى Anne of Green Gables ومنحت بطلتها (آن شيرلي) مزاياها الحلوة التي جعلتها في ظرف وجيز إحدى أشهر وأنجح الشخصيات الأدبية في العالم كله، وإن لم تنصفها العائدات المالية لمبيعات طبعاتها المتعددة بسبب خداع الناشرين وجشعهم.

ومع ذلك، لم تستطع تلك المعلمة الريفية التي وجدت متعتها في الكتابة أكثر من التدريس، أن تكبح جماح خيالها، فشرعت عام 1921 في كتابة رواية أخرى منحتها عنوان Emily of New Moon وبعد عشر سنوات من نشرها عادت لتكتب Pat of Silver Bush. «لقد أعطيت آن خيالي وإيميلي موهبتي لكن الفتاة الأقرب لروحي من أي شخصية أخرى كانت هي باث». تقول لوسي متحدثة عن شخصياتها.

كشأن معظم قصص تلك الفترة «الرومنسية» تبدأ حكاية إيميلي دوغلاس ستار بانتقالها وهي في العاشرة من عمرها للعيش في منزل عائلة موراي بعد وفاة والديها، لتتولى خالتها الصارمة إليزابيث أمر تنشئتها حتى تكون كما ينبغي لفتاة من عائلة محترمة. غير أن إيميلي تضيق بكل تلك القيود التربوية المتكلفة، وهي التي تحمل في صدرها روحا تفيض بالفن والخيال وترغب دوما «أن تتخلص من روابط الجسد كي تندفع نحو النجوم». وحين تحرم مما يستمتع به الأطفال من مرح في البيت أو الحديقة أو المدرسة، لا تجد غير أوراق مذكرتها لتبثها شكواها في قصائد غزل أو خواطر أمل أو رسائل حنين إلى والديها الراحلين، فرسمت سطورها تلك معالم درب تسير فيه نحو غايتها بأن تصبح ذات يوم كاتبة وشاعرة شهيرة.

لم تقابل (إيميلي في مزرعة القمر الجديد) بالقدر نفسه من الإعجاب الذي لقيته صديقتها (شما في البراري الخضراء) لكنها كانت بلا شك رواية قيمة دقيقة اللغة عميقة المعاني، وقد ألحقتها المؤلفة بعد عامين بجزء ثان Emily Climbs في (1925) وثالث Emily’s Quest في (1927) رصدت عبرهما حياة إيميلي وهي تكمل مشوار دراستها وتبذل كل جهد لتسلق جبال حلمها الكبير، في وسط يغمره السكون والجمال وحب الأصدقاء وشغف الكتابة.

وكما في الغرب، لم تحظ إيميلي شرقا بفرصة للانضمام إلى قائمة (روائع الأدب العالمي) التي أنتجتها نيبون أنيميشن، بل انتظرت حتى العام 2007 حين بادرت شركة طوكيو للأفلام TMS إلى اقتباس قصتها الدرامية في مسلسل أنيمي من 26 حلقة، سرعان ما تلقفها مركز الزهرة للدوبلاج لينسج منها نسخة عربية أشرفت على ترجمتها وإعدادها سامية دروبي وأمل جرجور وسجلت بأصوات رغدة الخطيب (في دور إيميلي) وفدوى سليمان ومنصور السلطي وأسيمة يوسف وملك مرقدة وآمنة عمر ورأفت بازو ومجد ظاظا ولينا ضوا وهزار الحرك ودينا خانكان، إلى جانب ثراء دبسي ومروان فرحات وأيمن السالك. وعلى عادة مسلسلات «فينوس» فقد افتتح بأغنية شارة لطيفة ألف كلماتها ولحنها طارق طرقان وأداها برفقة نور عربي.